الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
258
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
وبعبارة أخرى : إنّه من موارد الشبهة المصداقية لدليل « لا تنقض » فلا يمكن الرجوع إلى عموم أدلّة الاستصحاب بل المرجع سائر الأصول . 6 . جريان الاستصحاب في الأحكام الوضعيّة إنّ الأحكام الشرعيّة على قسمين : تكليفية ووضعية ، فالتكليفية ما يدور مدار الأحكام الخمسة ، وقسّمها القدماء من الأصحاب على قسمين : اقتضائية وتخييرية ، والمراد من الاقتضائية ما يكون له اقتضاء للفعل أو الترك ، فيشمل الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة ، ومن التخييرية ما ليس له اقتضاء ورجحان من حيث الفعل والترك ، وهي الإباحة . وحقيقة الأحكام التكليفيّة : إنشاء البعث أو الزجر أو الترخيص الناشئ عن إرادة المولى أو كراهته أو ترخيصه في نفسه ، وهذا ممّا يتّضح لنا بالرجوع إلى الوجدان . وأمّا الوضعيّة ، فهي كلّ ما لا يكون من الأحكام الخمسة ولا تحدّد عمل المكلّف من حيث الاقتضاء والتخيير ، بل يمسّ أفعال المكلّفين بالواسطة ، كالحكم بأنّ « الماء طاهر » أو « الدم نجس » أو بدون الواسطة ، كالملكيّة والزوجيّة والضمان . ثمّ إنّه قد يبدو أنّ الإباحة ليست حكماً من الأحكام ، أي أنّها من قبيل « لا اقتضاء » و « لا حكم » فيكفي فيها عدم صدور بعث أو زجر من جانب المولى ، وعليه تكون الأحكام أربعة . ولكن يمكن الفرق بين الأحكام الشخصية والقانونية ، فإنّ المتداول بين العقلاء من أهل العرف جعل الترخيص في كثير من الموارد بعنوان قانون من القوانين ؛ لأنّا إذا راجعنا إلى مجالس التقنين العقلائي نلاحظ أنّهم في كثير من الموارد ينشئون الجواز والترخيص ، كما ينشئون الوجوب أو الحرمة ، فينشئون مثلًا إنّ ورود البضاعة الفلانية أو حمل السلاح مجاز من هذا التاريخ ، وليس ذلك مجرّد دفع المنع السابق ، بل إنّه بالوجدان إنشاء جديد وحكم وجودي في مقابل حكم وجودي سابق ، لا فسخه ونسخه فقط .